تناولت مي درويش، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة برمنجهام، تطور السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، وناقشت مدى قدرة نظرية "ضعف الموازنة" في تفسير أداء القاهرة تجاه الأزمات الإقليمية، ولا سيما الحرب الإسرائيلية على غزة.
وترى الكاتبة أن مصر واجهت سلسلة متزامنة من التحديات الأمنية، شملت الصراعات في ليبيا والسودان، والخلافات المرتبطة بحوض النيل، والاضطرابات في البحر الأحمر، قبل أن تضاعف الحرب على غزة الضغوط على صانع القرار المصري، وسط انقسام بين من يرى أن القاهرة استعادت دورها الإقليمي، ومن يعتبر أن نفوذها التقليدي يشهد تراجعًا واضحًا.
وأوضح مشروع الشرق الأوسط للعلوم السياسية (POMEPS) أن الدراسة لا تكتفي بتحليل الموقف المصري خلال الحرب على غزة، بل تختبر مدى صلاحية نظرية "ضعف الموازنة" في تفسير سلوك القوى الإقليمية، إذ تشير إلى أن مصر لم تلجأ إلى بناء تحالفات جديدة أو تعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التهديدات المتزايدة، رغم تعرض مصالحها الأمنية لضغوط مباشرة، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود النظريات التقليدية في تفسير سلوك الدول الإقليمية.
الحرب على غزة كشفت حدود السياسة الخارجية المصرية
ترى الدراسة أن مفهوم الموازنة في العلاقات الدولية يقوم على لجوء الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية أو إقامة تحالفات خارجية لردع قوة صاعدة تهدد مصالحها الحيوية، إلا أن هذا السلوك لا يتحقق دائمًا، إذ قد تختار بعض الدول الاكتفاء باستجابة محدودة، وهو ما يُعرف بـ"ضعف الموازنة".
وتشير الكاتبة إلى أن مصر واجهت خلال الحرب على غزة تهديدات مباشرة لأمنها القومي، تمثلت في العمليات العسكرية الإسرائيلية قرب الحدود المصرية، والسيطرة على محور فيلادلفيا، إضافة إلى هجمات الحوثيين في البحر الأحمر التي قلصت إيرادات قناة السويس وأثرت في حركة التجارة العالمية.
ورغم هذه التطورات، لم تتبنَّ القاهرة سياسة موازنة واضحة، سواء عبر بناء تحالفات إقليمية أو تعزيز الردع العسكري أو حتى استخدام أدوات "الموازنة الناعمة" داخل المؤسسات الدولية والإقليمية. كما رفضت الحكومة المصرية مقترحات نقل الفلسطينيين إلى سيناء، لكنها لم تنتقل إلى خطوات أكثر فاعلية لمواجهة التغيرات التي فرضتها الحرب، وهو ما تعتبره الدراسة نموذجًا بارزًا لضعف الموازنة.
الضغوط الخارجية والداخلية قيدت خيارات القاهرة
ترفض الدراسة تفسير هذا السلوك بعوامل داخلية تقليدية مثل انقسام النخب أو ضعف التماسك المجتمعي، إذ تؤكد أن النخبة المصرية أجمعت على اعتبار التفوق العسكري الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، كما أظهر الرأي العام دعمًا واسعًا لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل.
وترى الكاتبة أن المعضلة الحقيقية تمثلت في تعارض المصالح الخارجية مع الاعتبارات الداخلية، إذ خشيت القاهرة أن يؤدي تبني سياسة أكثر تشددًا إلى الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من آثار على المساعدات والدعم السياسي والاقتصادي، في حين كانت أي استجابة متساهلة تجاه إسرائيل قد تؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي.
وتوضح الدراسة أن القيادة المصرية فضلت الحفاظ على الدعم الخارجي، مع احتواء الضغوط الداخلية، وهو ما يعكس استمرار تأثير الاعتبارات الاقتصادية ومتطلبات بقاء النظام السياسي في رسم السياسة الخارجية، إلى جانب الانقسامات الإقليمية التي حالت دون تشكل تحالف عربي قادر على موازنة القوة الإسرائيلية.
الدبلوماسية الرمزية تفرض نفسها على حساب الفعل السياسي
تخلص الدراسة إلى أن الحالة المصرية تكشف قصور نظرية "ضعف الموازنة" في تفسير سلوك القوى الإقليمية، لأنها تفترض أن غياب الموازنة ينتج أساسًا عن قيود داخلية، بينما تكشف التجربة المصرية عن تأثير مباشر لاختلال ميزان القوى الإقليمي، واستمرار النفوذ الأمريكي في توجيه خيارات الدول.
وترى الكاتبة أن السياسة الخارجية المصرية اتجهت خلال الحرب إلى ما تصفه بـ"الدبلوماسية الاستعراضية"، إذ اعتمدت على الرسائل الرمزية والخطاب السياسي أكثر من اعتمادها على خطوات عملية تغير موازين القوى. وتعكس هذه المقاربة، بحسب الدراسة، ميلًا إلى الحفاظ على صورة الدور الإقليمي التاريخي، مع تجنب الانخراط في سياسات قد تفرض كلفة سياسية أو اقتصادية مرتفعة.
وتؤكد الدراسة أن فهم السياسة الخارجية المصرية في المرحلة الراهنة يتطلب تطوير أطر نظرية جديدة تراعي تأثير هشاشة الأنظمة السياسية، والضغوط الدولية، والدبلوماسية الرمزية، وطبيعة النظام الإقليمي الذي ما زالت تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية، وهو ما يجعل تفسير السلوك المصري أكثر تعقيدًا من مجرد اعتباره نموذجًا تقليديًا لضعف الموازنة.
https://pomeps.org/egypts-foreign-policy-and-the-limits-of-underbalancing-theory

